تخيل سوقا بعد سنوات قليلة، يكون فيه كل منافس جاد قد تبنى الذكاء الاصطناعي فعلا. لا كتجربة محدودة، ولا عبر بضعة موظفين يلجؤون إلى ChatGPT من حين إلى آخر، بل بصورة تجعل من التقنية جزءا من سير العمل المعتاد.
في مجال التحليل مثلا سنرى المحللون يصلون إلى الإجابات مفيدة في وقت أقصر، وسنرى ايضا موظفو خدمة العملاء يتمتعون بفهم اكبر لانماط الزبائن والمديرون سيجدون أمامهم فائضا من المعلومات الأفضل عند اتخاذهم لأي قرار، وكثير من المهام المتكررة التي كانت تستهلك ساعات تنجز الآن في دقائق.
نعم، ستظل هناك شركات لا تنجح في هذا الانتقال، لكنها ليست الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في هذه القصة، لأن مصيرها يسهل توقعه حقيقةً فحين يتعلم سوق كامل العمل بسرعة وذكاء أكبر، بينما يواصل أحد المنافسين أداء أعماله بالطريقة القديمة، فإنه لا يحافظ على أسلوب أثبت قيمته بقدر ما يتحمل عبئا تنافسيا يصعب الدفاع عنه بمرور الوقت.
السؤال الأهم يبدأ بين الشركات التي أتقنت استخدام الذكاء الاصطناعي. والتي سنفترض أنها أصبحت جميعا أسرع، وتحسن تحليلها، وبدأ عملاؤها يلمسون النتائج. بعد استبعاد فشل التبني، سنجد أنفسنا أمام تساؤل أصعب بكثير، إذا أصبحت أدوات الذكاء والأتمتة المتشابهة متاحة للجميع، فمن يستطيع تحويلها إلى ميزة تدوم؟
قد تأتي المفاجأة من أول إجابة تتبادر إلى ذهن كثير من الشركات خفض التكلفة. فإذا أتاحت التقنية إنجاز حجم العمل نفسه في ساعات أقل، فإن تقليص الرواتب يحقق وفرا واضحا وفوريا لا لبس فيه،لكن شركة أخرى قد تنظر إلى الزيادة نفسها في الإنتاجية وتسأل: ما الذي أصبح بوسعنا فعله الآن، بعد أن كان مكلفا أو بطيئا أكثر مما ينبغي، أو كان متعذرا من الأساس؟
كلتا الشركتين نجحتا في استخدام الذكاء الاصطناعي، لكنهما في الواقع قد اختارتا مستقبلين مختلفين تماما انطلاقا من المكسب نفسه.
عندما يصبح الذكاء الاصطناعي من أساسيات المنافسة
بدأت ملامح هذا السوق تظهر بالفعل. ففي عام 2026، أفادت McKinsey بأن 89% من المؤسسات تستخدم الذكاء الاصطناعي بانتظام في وظيفة واحدة على الأقل، في حين لم تتجاوز نسبة المؤسسات المصنفة ضمن الأعلى أداء في هذا المجال نحو 6%. وهذا يوضح أن انتشار الاستخدام وتحقيق أثر تجاري ملموس لا يسيران بالسرعة نفسها.
وتوصلت PwC إلى نتيجة مشابهة من زاوية أخرى. فقد ذكر أكثر من نصف الرؤساء التنفيذيين في استطلاعها العالمي لعام 2026 أنهم لم يلمسوا بعد أثرا كبيرا للذكاء الاصطناعي في الإيرادات أو التكاليف. لا تهمني النسبة الدقيقة بقدر ما تهمني الفجوة التي تكشفها، فهذه الأرقام ستتغير حتما مع نضج الاستخدام. أما ما يبقى واضحا فهو أن استخدام الذكاء الاصطناعي وتحقيق قيمة مالية منه إنجازان مختلفان.
وقد تزداد أهمية هذه الفجوة كلما أصبح الوصول إلى التقنية أسهل. ففي وقت سابق، كانت التقنية المؤسسية المتقدمة كافية أحيانا لتمييز الشركات الكبرى عن منافسيها الأصغر، لأن تطبيقها كان يحتاج إلى بنية تحتية ضخمة، وسنوات من التكامل، ورأس مال يكفي لتحمل العملية. أما اليوم، فتستطيع شركة أصغر بكثير الوصول إلى قدرات متقدمة في الذكاء الاصطناعي عبر البنية السحابية نفسها التي تستخدمها شركات تفوقها حجما بأضعاف.
المقارنة بالكهرباء ليست كاملة، لكنها تساعد على فهم ما يحدث حين تتوقف تقنية مؤثرة عن كونها نادرة. فقد غير توفر الكهرباء الموثوقة ما تستطيع المصانع إنتاجه، لكن لا أحد يقدم الكهرباء اليوم بوصفها استراتيجية تنافسية. بمرور الوقت، أصبحت جزءا من البيئة التي تعمل فيها جميع الشركات.
وأرجح أن يسلك الذكاء الاصطناعي جانبا من المسار نفسه. فقد تزداد أهميته لتشغيل شركة قادرة على المنافسة، وفي الوقت ذاته تقل قدرته على تفسير سبب تفوق شركة على أخرى.
الإنتاجية تتحقق داخل الشركة، أما القيمة فيحكم عليها السوق
لنفترض أن شركة خدمات مهنية كانت تحتاج إلى أربع ساعات لإعداد عرض لعميل، ثم خفضت المدة إلى ساعتين بعد تحسين سير العمل بمساعدة الذكاء الاصطناعي. من داخل الشركة، تبدو النتيجة ممتازة لأن زيادة الإنتاجية واضحة. لكن السؤال الأهم هو: ماذا حدث للساعتين اللتين أصبحتا متاحتين؟
قد تتمكن الشركة لفترة من الرد على العملاء بسرعة تفوق منافسيها، فتحقق ميزة حقيقية. لكن ما إن يطور بقية السوق القدرة نفسها حتى يصبح تقديم العرض في اليوم ذاته مجرد توقع جديد لدى العميل. لقد ارتفعت إنتاجية الشركة بالفعل، ولا شيء وهميا في هذا التحسن، إلا أن جزءا من قيمته ربما انتقل إلى العميل في صورة خدمة أفضل، أو تبدد في السوق تحت ضغط المنافسة.
لهذا أتحفظ حين تستخدم الإنتاجية والربح وكأنهما شيء واحد. فالإنتاجية تعني الحاجة إلى وقت أو موارد أقل لإنتاج شيء ما، أما الربح فيعتمد على قدرة الشركة على الاحتفاظ بجزء من هذا التحسن، بدلا من أن يذهب كله إلى أسعار أقل، أو توقعات أعلى لدى العملاء، أو طاقة إضافية لا يعرف أحد كيف يوظفها.
سبق أن رأينا صورا مختلفة من ذلك. فقد ألغت الجداول الإلكترونية قدرا هائلا من العمل اليدوي، وغير البريد الإلكتروني سرعة التواصل في الأعمال. ومع ذلك، لا يدفع أحد اليوم سعرا أعلى لشركة لأن موظفيها يجيدون Excel أو لأن رسائلها تصل فورا، فقد أصبحت القدرتان ضمن ما يتوقعه العميل من أي شركة تعمل بكفاءة.
وقد يمر الذكاء الاصطناعي بهذه الدورة بسرعة أكبر، لأن المنافسين لا يحتاجون إلى إعادة بناء التقنية الأساسية بأنفسهم. فإذا اكتشفت شركة أن نموذجا متاحا على نطاق واسع يستطيع إعداد مسودة أولى، أو تلخيص تقرير، أو تسريع تحليل روتيني، يمكن لشركة أخرى اكتشاف القدرة نفسها خلال وقت قصير. للأسبقية أهميتها، لكن الوصول أولا لا يعني تلقائيا بناء شيء يصعب تقليده.
أول إجابة مالية تظهر في بند الرواتب
عندما يبدأ الذكاء الاصطناعي في توفير قدر معتبر من وقت الموظفين، من الطبيعي أن تتجه الإدارة إلى بند الرواتب، لأن الوفر فيه ملموس وسهل الشرح. فإذا أمكن إنجاز عمل كان يحتاج إلى عشرة أشخاص بواسطة ثمانية، تظهر تكلفة الوظيفتين فورا. ولا تحتاج الشركة إلى انتظار نجاح منتج جديد أو التأكد من أن الطاقة الإضافية ستجلب عميلا آخر.
وفي بعض الحالات يكون هذا هو القرار الصحيح تماما، خصوصا عندما تتحمل المؤسسة تكاليف زائدة فعلا، أو حين تلغي التقنية أعمالا لم تعد تبرر الموارد المخصصة لها. لذلك لا أرى أن النقاش الأهم هو ما إذا كان ينبغي للشركات خفض عدد الموظفين أم لا، لأن طرح المسألة بهذه الصورة يحول سؤالا تجاريا إلى موقف أيديولوجي ويتجاوز القضية الأساسية.
في رأيي، تبدأ المشكلة عندما يصبح خفض الرواتب هو التعريف الكامل لقيمة الذكاء الاصطناعي، بدلا من كونه استخداما واحدا ممكنا للإنتاجية التي يتيحها. خفض التكلفة له حد طبيعي، فالتكلفة التي أزيلت مرة لا يمكن إزالتها مرة أخرى في العام التالي. أما الطاقة التي توجه إلى ابتكار شيء جديد، فقد تستمر في إنتاج القيمة بعد وقت طويل من تحقق الزيادة الأصلية في الإنتاجية.
قد تنظر شركة أخرى إلى الساعات المتاحة نفسها وتسأل إن كان بوسعها خدمة عدد أكبر من العملاء من دون أن ترتفع تكاليفها بالوتيرة ذاتها، أو تقديم خدمة كانت تكلفتها تحول دون تحقيق ربح منها، أو دخول سوق لم يكن جذابا بسبب ما يتطلبه من عمل يدوي.
سيتصرف فريقا الإدارة بمنطق سليم، لكن أحدهما يركز على مقدار ما يمكن حذفه من تكلفة أعمال اليوم، بينما يفكر الآخر في الشكل الذي قد تبدو عليه أعمال الغد بعد زوال جزء من الجهد المطلوب حاليا.
هنا تصبح نتائج الأبحاث أكثر إثارة للاهتمام
لفت انتباهي بحث BCG لعام 2026 عن الشركات الرائدة في الذكاء الاصطناعي، لأنه يعقد الفكرة المبسطة القائلة إن الشركات الأكثر تقدما في هذا المجال ينبغي أن تكون الأكثر اندفاعا إلى خفض العمالة. فقد صنف التحليل نحو 6% فقط من الشركات ضمن فئة الرواد، ومع ذلك تجاوز عائدها للمساهمين، بعد تعديله بحسب القطاع، أداء الشركة الوسيطة بنحو تسع نقاط مئوية.
وكان جانب التوظيف أكثر إثارة للانتباه. فقد نما عدد العاملين لدى هذه الشركات بمعدل نمو سنوي مركب يزيد بنحو ثلاث نقاط مئوية على الشركة الوسيطة. واعتبرت BCG أن إعادة استثمار الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي في النمو والفرص الجديدة من السمات التي تميز الرواد عن غيرهم.
لا يعني ذلك أن التوظيف يسبب النجاح في الذكاء الاصطناعي، ولا أن كل وظيفة يجب أن تبقى مهما غيرت التقنية طبيعة العمل. لكنه يجعل من الصعب الدفاع عن افتراض أن أقصى عائد ممكن من التقنية لا بد أن يأتي من تقليص القوى العاملة بالسرعة نفسها التي تتحسن بها الإنتاجية.
وتضيف نتائج PwC جانبا آخر إلى هذه الصورة. ففي استطلاعها لعام 2026، أفاد 12% فقط من الرؤساء التنفيذيين بتحقيق فوائد في الإيرادات والتكاليف معا من الذكاء الاصطناعي. وكان أصحاب الأداء الأقوى أكثر ميلا إلى إدخال التقنية في المنتجات وتجارب العملاء والقرارات التجارية المهمة، بدلا من حصرها في نشاط منفصل لتحسين الكفاءة.
هنا يتغير السؤال. نحن نعرف بالفعل أن الذكاء الاصطناعي يستطيع توفير الوقت، لكن التحدي التجاري الأهم هو قدرة الإدارة على تحويل هذا الوقت إلى شيء يرى السوق أنه يستحق المقابل.
التقنية توفر الطاقة، لكن الشركة هي التي تقرر ما الذي ستصبح عليه هذه الطاقة.
إذا أعدنا النقاش إلى شركة عادية
قد تجعل أمثلة شركات كبرى مثل Visa وBlackRock هذا النقاش يبدو بعيدا، لذلك تتضح الفكرة أكثر حين نطبقها على شركات مألوفة وخيارات يومية.
لنتأمل شركة محاسبة أو استشارات خفض فيها الذكاء الاصطناعي الوقت اللازم لإعداد النسخة الأولى من التقرير الشهري للعميل. تبدو النتيجة في البداية تحسنا بسيطا في الكفاءة، لأن كل حساب أصبح يحتاج إلى ساعات أقل من المحللين. وقد تخلص الشركة، بمنطق مفهوم، إلى أنها تستطيع الحفاظ على حجم العمل نفسه بفريق أصغر.
لكنها قد تكتشف أيضا أن خدمة لطالما أرادت تقديمها أصبحت مجدية اقتصاديا. ربما صار ممكنا تخصيص نقاش إداري أعمق مع كل عميل حول أرقامه، أو أصبح كل محلل قادرا على التعامل مع حسابات إضافية من دون تراجع جودة الخدمة، أو بات دخول شريحة العملاء الأصغر مربحا بعد أن كانت كثافة العمل اليدوي تحول دون ذلك.
وسنجد القرار نفسه داخل فريق للبيانات أو التحليلات، وإن اختلفت المصطلحات. فإذا استطاع المحلل إعداد تحليل روتيني في وقت أقصر بكثير، قد تستنتج المؤسسة أنها تحتاج إلى ساعات أقل من عمل المحللين. لكنها تستطيع أيضا البدء في بحث أسئلة ظلت بلا إجابة، لأن الفريق لم يكن يملك الوقت الكافي لدراستها كما ينبغي.
وينطبق الأمر ذاته على موزع يقضي مندوبو مبيعاته وقتا أقل في إعداد عروض الأسعار ومتابعة الإجراءات الإدارية. توفير هذه الساعات له قيمة في حد ذاته، لكن إذا استثمرت الطاقة المتاحة في مزيد من المحادثات الجادة مع العملاء، أو في الاهتمام بحسابات ظلت مهملة، فإن المكسب يبدأ في الانتقال من كفاءة داخلية إلى أثر محتمل في الإيرادات.
الفكرة في رأيي ليست أن النمو أفضل دائما من الكفاءة، فهذا تبسيط مخل. الساعة التي أصبحت متاحة مورد اقتصادي، وعلى الإدارة أن تقرر إن كان ينبغي إخراجها من الشركة، أو استخدامها لخدمة أعمال إضافية، أو استثمارها في نشاط قد يخلق قيمة لاحقا.
عندما يصبح الجميع أسرع، تفقد السرعة وحدها أهميتها
لنعد إلى سوقنا الافتراضي بعد مرور مزيد من الوقت. أصبح كل منافس جاد سريعا، وتحليلاته الروتينية قوية، ويمتلك موظفوه من المعرفة بالذكاء الاصطناعي ما يجنبهم الأخطاء الواضحة. عندها، لن تبدو أمور كثيرة نصفها اليوم بأنها نجاح في الذكاء الاصطناعي استثنائية، بل ستصبح من سمات الشركات التي تعرف كيف تدير أعمالها.
في هذه المرحلة يبدأ مصدر التفوق في الانتقال إلى مكان آخر. قد تمتلك شركة سنوات من معلومات العملاء التي لا يستطيع المنافسون الاشتراك فيها ببساطة، وقد تبني أخرى سير عمل يستند إلى معرفة تراكمت ببطء عبر الخبرة. وربما تفهم شركة ثالثة سوقها بما يكفي لاستخدام قدرات الذكاء الاصطناعي نفسها بطريقة تحقق نتيجة تجارية مختلفة تماما.
هنا تفيد أمثلة مثل Visa وBlackRock، لا لأن شركة عادية تستطيع تكرار حجمهما، بل لأنها تذكرنا بأن النموذج التقني وحده لا يحتوي على كل ما يمنح الشركة قيمتها. تستطيع Visa الجمع بين الذكاء الاصطناعي وتدفق من المعاملات يخص أعمالها، وتستطيع BlackRock إدخال قدرات ذكية في سير عمل بني على مدى سنوات من العمليات الاستثمارية. أما شراء حق استخدام التقنية الأساسية نفسها فلا يمنح المنافس أيا من هذين الأصلين.
وللشركة الأصغر نسختها الخاصة من هذه الميزة. قد تبدو سنوات التعامل مع العملاء، ومعرفة الحالات غير المعتادة، وفهم مواضع تعثر العمليات أمورا عادية حين تكتب في قائمة. لكن عندما تبدأ هذه المعرفة في تشكيل طريقة استخدام الذكاء الاصطناعي يوميا، لا تعود الشركة تنافس فقط عبر نموذج يستطيع الجميع استئجاره.
نصل هنا إلى أحد أهم الفروق في هذا النقاش: قد يصبح الوصول إلى قدرات ذكية شائعا قبل وقت طويل من شيوع القدرة على تحويلها إلى شيء متفرد.
السؤال الإداري يبدأ بعد أول وفر
تنطلق معظم دراسات الجدوى للذكاء الاصطناعي من الوقت، لأنه سهل القياس. يمكن مقارنة مدة تنفيذ عملية قبل استخدام التقنية بمدتها بعد ذلك، ثم تحويل الفارق إلى تكلفة ووضع رقم مقنع في شريحة العائد على الاستثمار. لكن هذا الحساب يخبرنا بما أصبح متاحا فقط، ولا يخبرنا بما فعلته الشركة به في النهاية.
إذا اختفت خمسة آلاف ساعة من عملية ما هذا العام، فما الذي ينبغي أن يحدث لهذه الساعات؟ قد يمثل بعضها تكلفة فعلية يجب أن تخرج من المؤسسة، بينما يمكن استخدام جزء آخر لخدمة عملاء إضافيين أو لجعل خدمة جديدة مجدية. وفي معظم الشركات، ستكون الإجابة مزيجا بين الخيارين، لا موقفا صافيا عند أحد الطرفين.
هنا، في رأيي، تصبح كفاءة الإدارة أهم بكثير مما تبدو عليه في البداية. لم يعد التحدي مقتصرا على اختيار أداة جيدة أو تحديد المهام القابلة للأتمتة. فبعد نجاح هذه القرارات، يبقى على أحدهم أن يفهم اقتصاديات الشركة بما يكفي ليحدد أين تحقق الطاقة المتاحة أعلى قيمة.
تظل «الساعات الموفرة» مؤشرا مفيدا، لكنني أتعامل معها بوصفها بداية للنقاش لا نهايته. ينبغي في نهاية المطاف أن نسأل عما حدث نتيجة إتاحة هذه الساعات: هل أمكن خدمة عملاء أكثر من دون زيادة مماثلة في التكلفة؟ هل أثرت الخدمة الأفضل في الاحتفاظ بالعملاء؟ وهل أصبح نشاط جديد ممكنا بعد تغير جدواه الاقتصادية؟
من دون ذلك، قد نحتفي برقم كبير للإنتاجية بينما لا نملك فكرة واضحة عما إذا كانت قيمة الشركة نفسها قد ارتفعت فعلا.
السباق الحقيقي يبدأ بعد أن يتقن الجميع استخدام الذكاء الاصطناعي
لا يزال جانب كبير من النقاش الحالي يقارن بين الشركات التي تبنت الذكاء الاصطناعي وتلك التي لم تتبنه، وهذا مفهوم في مرحلة انتشار التقنية. لكن إذا استمر التبني بوتيرة قريبة من وتيرته الحالية، فستفقد هذه المقارنة كثيرا من أهميتها، لأن المنافسة الجادة ستدور أساسا بين شركات تعرف جميعها كيف تستخدمه.
عندها قد تصبح الكفاءة في الذكاء الاصطناعي تذكرة الدخول إلى المنافسة، لا جائزتها. سيكون كل من بقي في السباق قادرا على التحليل بسرعة أكبر، وأتمتة مزيد من الأعمال، واتخاذ قرارات تستند إلى معلومات أفضل. وسيتوقف التفوق بصورة متزايدة على ما تفعله الشركة بعد أن تصبح هذه القدرات أمرا معتادا.
ستستخدم بعض الشركات جزءا من مكاسب الإنتاجية لتصبح أقل تكلفة، وربما يكون ذلك القرار الصحيح في حالات كثيرة. لكن شركة أخرى قد تستخدم التقنية نفسها لتوسيع ما تقدمه، أو للوصول إلى عملاء لم تكن خدمتهم مجدية اقتصاديا من قبل. ومع الوقت، قد تصبح الأولى نسخة أكثر كفاءة من نشاطها الحالي، بينما تتحول الثانية إلى شركة لم يكن من الممكن أن توجد أصلا في ظل هيكل التكلفة السابق.
لهذا يبدو لي السؤال الشائع عن عدد الوظائف التي يستطيع الذكاء الاصطناعي استبدالها أقل أهمية مما يوحي به ظاهره. استبدال العمل يكشف مقدار الطاقة التي يمكن للتقنية توفيرها، أما السؤال الاستراتيجي الحقيقي فيبدأ بعد ذلك مباشرة: هل ينبغي إخراج هذه الطاقة من الشركة، أم تحويلها إلى المادة الأولية لما ستبنيه لاحقا؟
عندما يمتلك كل منافس جاد الذكاء الاصطناعي، لن يفوز من يستخدمه فحسب. المنافسة الأصعب ستكون على معرفة ما الذي يمكن تحويله إليه.







