← العودة إلى الرؤى

الذكاء الاصطناعي والأتمتة · استراتيجية وقيادة التحليلات

بيانات آنية وقرارات بطيئة فأين يفيد الذكاء الاصطناعي فعلا؟

بيانات آنية وقرارات بطيئة  فأين يفيد الذكاء الاصطناعي فعلا؟

كبيرة هي الجهود التي تبذل لتقليص الوقت اللازم لوصول المعلومات إلى أصحاب القرار، ومع ذلك لا تزال قرارات مهمة كثيرة تمر بمراحل البحث والتنسيق والموافقة ببطء لا يختلف كثيراً -بالمحصلة النهائية- عما كان عليه سابقا. في عالم اليوم يتيح لنا تقنيات الذكاء الاصطناعي فرصة مختلفة، إذ يمكنها تقليص بين الحدث والقرار، لكن القيمة الفعلية تتوقف على كيفية تصميم كل قرار، ومقدار ما يتطلبه من تقدير بشري، وما إذا كان ينبغي للإجراءات المحيطة به أن تظل على حالها.

```text خلال معظم مسيرتي في مجال ذكاء الأعمال، كان أحد الأهداف الأساسية دائما هو إيصال المعلومات الصحيحة إلى الإدارة بأسرع ما يمكن. انتقلنا خلال السنوات من تقارير لا تظهر إلا بعد إقفال الشهر إلى لوحات معلومات تتحدث باستمرار خلال اليوم، ثم أصبح من الممكن في كثير من الحالات رؤية التغيرات التشغيلية فور حدوثها تقريبا. كان ذلك بلا شك تقدما تقنيا مهما، لكن عندما نتتبع ما يحدث فعليا بعد ظهور رقم مهم على الشاشة، نكتشف أن جزءا كبيرا من التأخير القديم ما زال موجودا، وإن كان قد انتقل إلى مكان آخر.

قد تظهر المشكلة هذا الصباح، بينما لا تستجيب الشركة لها فعليا إلا في اليوم التالي، لأن أحدا يحتاج أولا إلى تحديد ما إذا كان التغير يستحق الاهتمام، ثم فهم ما وراءه وإشراك الأشخاص الذين يعرفون سياقه التجاري أو التشغيلي. بعد ذلك قد يحتاج القرار إلى نقاش أوسع قبل أن تتحول المعرفة إلى إجراء، وهكذا يمكن للمعلومة أن تنتقل من المعاملة إلى لوحة المعلومات خلال ثوان، ثم تقضي ساعات طويلة وهي تنتقل بين الأشخاص قبل أن يتغير شيء على أرض الواقع.

هذه الفجوة هي ما أقصده بمصطلح زمن تأخر القرار، وأرى أن أهميتها تزداد كلما تعمق استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل. فقد استثمرنا سنوات طويلة في تقليص المسافة بين وقوع الحدث ومعرفتنا به، بينما تنشأ القيمة الاقتصادية عادة في مرحلة لاحقة، عندما تستجيب الشركة في وقت ما زالت فيه قادرة على التأثير في النتيجة. ومن هذه الزاوية، تبدو فورية المعلومات نصف الطريق فقط نحو مؤسسة سريعة الاستجابة، لأن المعرفة المبكرة لا تكفي إذا بقي القرار بطيئا.

قد يكون القرار جيدا ويصل مع ذلك بعد فوات الأوان

لا تحمل السرعة القيمة نفسها في كل القرارات، ولا أعتقد أن الهدف ينبغي أن يكون دفع المؤسسة بأكملها نحو اتخاذ قرارات لحظية. فقد يستحق استثمار كبير أسابيع من النقاش لأن النقاش نفسه قد يحسن القرار ويكشف افتراضات لم تكن واضحة في البداية، بينما يمكن لتغير تدريجي في سلوك عميل مهم أن يصبح مشكلة مختلفة تماما إذا اكتشفته الشركة اليوم بدلا من اكتشافه بعد ثلاثة أشهر. في الحالتين نحتاج إلى حكم مهني جيد، لكن تكلفة الانتظار ليست واحدة.

لنفترض أن شركة بدأت تفقد جزءا من هامش الربح في علاقتها مع عميل مهم، ولم تفهم الإدارة السبب إلا بعد مرور عدة أشهر. قد يكون التحليل الذي تصل إليه صحيحا تماما، لكن الفريق التجاري ربما يكون قد واصل قبول الطلبات بالشروط نفسها، وربما أصبح مستوى السعر الجديد جزءا من توقعات العميل، ولذلك تكون بعض الخيارات التي كانت متاحة في البداية قد اختفت. أما إذا فهمت المشكلة وهي ما زالت في طور التشكل، فستبقى أمام الإدارة مساحة أوسع للتصرف، وهنا يصبح توقيت القرار جزءا من قيمته وليس مجرد تفصيل متعلق بسرعة العمل.

ينطبق الأمر نفسه على مواقف تشغيلية كثيرة، ففريق الصيانة الذي يلتقط مؤشرات عطل ناشئ بينما لا يزال ممكنا نقل الإنتاج أو تعديل خطة التشغيل يملك خيارات أكبر بكثير من الفريق نفسه إذا وصل إلى تشخيص مثالي بعد توقف الآلة. المعلومات لا تحتفظ بقيمتها إلى ما لا نهاية، لأن نافذة التأثير قد تضيق تدريجيا بينما لا تزال المؤسسة تجمع التفاصيل وتحاول فهم ما حدث.

ومن هنا أرى أن من المفيد التمييز بين دقة الإجابة وجدوى القرار. من الطبيعي أن نريد الاثنين معا، لكن تفسيرا بالغ الدقة يصل بعد اختفاء معظم الخيارات قد يحقق قيمة أقل من تفسير موثوق بما يكفي يصل في الوقت الذي لا تزال فيه الإدارة قادرة على تغيير المسار. وهنا يبدأ الذكاء الاصطناعي في تغيير اقتصاديات التحليل بطريقة تتجاوز بكثير مجرد توفير بعض ساعات العمل.

أصبحت المعلومات أسرع بينما بقيت آلية القرار مألوفة

تظهر بقية التأخير بوضوح إذا نظرنا إلى موقف إداري مألوف. تعرض لوحة المعلومات تراجعا مفاجئا في أداء إحدى المناطق، فيطلب المدير التجاري من المحلل التعمق أكثر، ثم يظهر أن معظم التراجع يتركز في مجموعة محدودة من العملاء. عند هذه النقطة يضيف فريق المبيعات سياقا لم يكن ظاهرا في الأرقام، فتظهر حاجة إلى فهم ما إذا كان التغير مرتبطا بالأسعار أو بعلاقة العميل مع الشركة، ويستمر النقاش حتى تصبح الصورة واضحة بالقدر الذي يسمح للإدارة بتحديد ما إذا كان الأمر يستحق التدخل.

لا توجد مشكلة جوهرية في هذه الآلية، لأن الأشخاص المشاركين يفعلون ما تقتضيه الإدارة المسؤولة، لكن المثير للاهتمام أن معظم التحسن التقني تحقق قبل أن تبدأ هذه العملية أصلا. وصلت البيانات إلى لوحة المعلومات بسرعة أكبر، وربما أصبح التحليل الأولي جاهزا بشكل أسرع، إلا أن جزءا كبيرا من الوقت ظل يستهلك بعد ذلك في البحث والتنسيق وفهم السياق. بمعنى آخر، طورنا سرعة وصول المعلومات بدرجة أكبر بكثير من تطويرنا لسرعة تحويل تلك المعلومات إلى استجابة مدروسة داخل المؤسسة.

هنا يغير الذكاء الاصطناعي طبيعة النقاش، لأنه يسمح للتقنية بالمشاركة بشكل أعمق في المسافة بين ظهور الإشارة والتحرك بناء عليها. ولا أرى أن الصياغة المفيدة هي أن البشر يتخذون القرارات اليوم بينما سيتولاها الذكاء الاصطناعي غدا، لأن ذلك يختزل مسألة إدارية أوسع بكثير في نقاش عن الأتمتة. السؤال الأهم هو إلى أي مدى ينبغي أن يشارك الذكاء الاصطناعي في كل قرار، وأي جزء من التأخير يمكن إزالته من دون التخلص من الحكم البشري الذي ما زال يضيف قيمة حقيقية.

ويفيد هنا تصور الأنماط الثلاثة لذكاء القرار الذي تناولته في التسجيل. في بعض الحالات، يكون الدور الأنسب للذكاء الاصطناعي هو مساعدة صاحب القرار على فهم ما يحدث والوصول إلى السياق الذي يحتاجه، بينما يستطيع في حالات أخرى أن يتقدم خطوة إضافية ويجهز جزءا كبيرا مما يلزم قبل التحرك. وفي قرارات أكثر وضوحا، قد تكون الشركة قد حددت حدود التصرف بشكل يسمح للنظام بالمضي في الإجراء ضمن تلك الحدود، لكنني لا أتعامل مع هذه الأنماط كدرجات نضج يجب أن ينتهي فيها كل قرار إلى الأتمتة الكاملة، لأن قيمة الحكم البشري تختلف من قرار إلى آخر.

عندما يقربنا الذكاء الاصطناعي من القرار الحقيقي

تخيل شركة تعمل في سوق B2B بدأت تلاحظ تراجعا في ربحية أحد عملائها المهمين على مدى عدة أسابيع. تستطيع لوحة المعلومات إظهار انخفاض الهامش فور حدوثه، لكن الإدارة لا تزال بحاجة إلى معرفة ما إذا كانت المشكلة مرتبطة باتفاق سعري جديد مع العميل أو بتحول في نمط مشترياته نحو منتجات أقل هامشا، وربما يكون التغير ناتجا من جانب التكلفة وليس من العلاقة التجارية نفسها. قبل اتضاح هذا السياق، يكون الرقم مهما لكنه لا يكفي لصناعة قرار.

قد يبدأ المحلل بمراجعة تاريخ العميل فيلاحظ أن مزيج المنتجات تغير، ثم يكتشف أن بعض الخصومات أصبحت أكبر مما كانت عليه في السابق. عندها يتذكر المدير التجاري ترتيبا خاصا بدأ قبل عدة أسابيع، بينما تظهر لدى المالية ملاحظة أخرى مرتبطة بتغير في تكلفة التوريد، فتتحول مشكلة بدت في البداية مجرد انخفاض في الهامش إلى مسألة تجارية أكثر تعقيدا. بعد أن يفهم الجميع ما يحدث فعليا، قد يستغرق القرار النهائي دقائق قليلة، رغم أن الوصول إلى النقطة التي تصبح فيها هذه الدقائق مفيدة احتاج جهدا موزعا على أكثر من شخص.

هنا تظهر فائدة النمط الأول من ذكاء القرار، لأن الذكاء الاصطناعي يستطيع تقليص المسافة بين ظهور الإشارة ووصول الإدارة إلى النقطة التي يصبح فيها حكمها المهني ذا معنى. بدلا من الاكتفاء بإظهار أن الهامش انخفض، يمكن للنظام أن يجمع التاريخ المرتبط بالحالة داخل سياق واحد ويساعد في إبراز التغيرات التي تستحق الاهتمام، بينما يبقى القرار النهائي بيد المدير لأن فهم العلاقة التجارية وما يمكن احتماله فيها يحتاج إلى خبرة يصعب اختزالها في مؤشر واحد.

وقد يظل هذا النمط هو الأنسب للقرارات مرتفعة القيمة حتى لو أصبحت قدرات الذكاء الاصطناعي أكبر بكثير مما هي عليه اليوم. لا أرى أن علاقة مع عميل استراتيجي أو قرار استثماري مهم ينبغي أن يتحول تلقائيا إلى قرار مستقل لمجرد أن النظام يستطيع تحليل المعلومات بسرعة، لأن جزءا من جودة القرار يأتي من أشخاص ذوي خبرة يختبرون الافتراضات ويفهمون تبعات قد لا تظهر بوضوح في البيانات. ومع ذلك، يستطيع الذكاء الاصطناعي تقديم قيمة كبيرة عندما يزيل ساعات البحث والتجميع التي تسبق اللحظة التي يبدأ فيها هؤلاء الأشخاص فعليا باستخدام خبرتهم.

وفي الوقت نفسه، تزداد هنا مخاطرة أخرى كلما تحسنت قدرة الذكاء الاصطناعي على صياغة التفسيرات بصورة مقنعة. التقرير السيئ قديما كان قد يقدم رقما خاطئا ويتركك أمامه، أما اليوم فيمكن لنظام ذكي أن يقدم رقما خاطئا مع تفسير متماسك جدا يجعل الاستنتاج أكثر إقناعا مما تسمح به الأدلة الفعلية. لذلك لا تقل أهمية سلامة تعريفات البيانات والسياق التجاري مع زيادة استخدام الذكاء الاصطناعي، بل قد تصبح أكثر أهمية لأن النظام أصبح قادرا على بناء استدلال كامل فوق الأساس الذي نعطيه له.

أحيانا يكون القرار معروفا لكن الطريق إليه هو ما يستهلك الوقت

هناك نوع آخر من التأخير لا تكون المشكلة فيه أن الشركة لا تعرف ما ينبغي فعله، بل أن الوصول إلى حالة الجاهزية لاتخاذ القرار يحتاج وقتا أكبر من القرار نفسه. تعرف المؤسسة بشكل عام الاتجاه المناسب، لكن شخصا ما لا يزال بحاجة إلى جمع السياق وربط المعلومات قبل أن يصبح المسؤول مستعدا للتحرك، وأرجح أن جزءا كبيرا من تأخر القرارات التشغيلية يوجد داخل هذه المساحة.

تمثل التحصيلات مثالا واقعيا على ذلك. تخيل عميلا اعتاد السداد بانتظام ثم بدأ يتأخر بينما تستمر المبالغ المستحقة عليه في الارتفاع، فيستطيع فريق المالية رؤية أن نمط السداد قد تغير، لكن مدير الحساب لا يستطيع التعامل مع المسألة اعتمادا على تقرير الأعمار وحده. فقد تكون هناك مشكلة خدمة لم تحل، أو ظرف تجاري خاص يعرفه فريق المبيعات، ولذلك يمكن للتواصل مع عميل طويل الأجل بنبرة غير مناسبة أن يخلق مشكلة أكبر من التأخير نفسه.

قد يتطلب التحضير لهذا القرار مراجعة حساب العميل، ثم الرجوع إلى ملاحظات CRM والتواصل مع الشخص المسؤول عنه تجاريا لمعرفة ما حدث مؤخرا. بعد ذلك قد يظهر مثلا أن هناك شكوى ما زالت مفتوحة وتفسر جزءا من التأخير، فيتغير القرار المناسب تماما عما كان سيقترحه تقرير التحصيل وحده. المدير قد يحتاج في النهاية إلى دقائق قليلة فقط ليحدد كيفية التعامل مع العميل، لكن تجهيز تلك الدقائق يمكن أن يستهلك وقتا موزعا على عدة أشخاص.

هنا يصبح النمط الثاني أكثر أهمية، لأن الذكاء الاصطناعي يستطيع إعداد القرار بدلا من مجرد لفت الانتباه إلى وجود مشكلة. يمكنه جمع تاريخ الحساب ذي الصلة وإظهار ما تغير في العلاقة، ثم تجهيز الخطوة التالية بما يتفق مع سياسة الشركة والسياق المتاح، بينما يبقى الحكم النهائي بيد الشخص المسؤول عن العلاقة. المكسب الحقيقي هنا ليس أن رسالة العميل ستكتب أسرع، بل أن المؤسسة ستصبح جاهزة للتصرف في وقت أبكر بكثير مما كان يحدث من قبل.

وعندما ننظر إلى المسألة بهذه الطريقة، تبدأ القيمة الاقتصادية في الابتعاد عن حساب الإنتاجية المعتاد. فإذا أدى التحرك المبكر إلى منع تأخير قابل للمعالجة من التحول إلى تعرض مالي خطير، يصبح الوقت الذي وفرناه في جمع المعلومات مجرد جزء صغير من الفائدة. القيمة الأكبر جاءت من وصول المؤسسة إلى القرار بينما كان التأثير في الوضع ما زال ممكنا وبكلفة أقل.

يتغير نموذج التشغيل عندما لا تعود الحالات العادية بحاجة إلى انتظار التأكيد

يصبح النمط الثالث أكثر ملاءمة عندما تتعامل المؤسسة مع قرارات متكررة وتحكمها قواعد واضحة إلى درجة لا تضيف معها الموافقة البشرية كثيرا في الظروف العادية. وهنا يتحول النقاش من استخدام الذكاء الاصطناعي إلى تصميم العملية نفسها، لأن الإدارة تحتاج إلى تحديد الحالات التي يمكن أن يتحرك فيها النظام بأمان ضمن الحدود الموضوعة، ومتى تصبح الحالة مختلفة بما يكفي لتعود إلى شخص يملك صلاحية الحكم عليها.

لنفترض أن شركة صناعية تراقب أداء معداتها باستمرار ولدى فريق الصيانة قواعد مستقرة للتعامل مع الحالات الشائعة. تبدأ إحدى الآلات بإظهار نمط سبق أن أدى إلى تعطل مكون معروف، لكن المؤشرات لا تزال ضمن مستوى يسمح بجدولة الصيانة من دون تعطيل الإنتاج. وفقا للعملية الحالية، قد يصل التنبيه إلى مخطط الصيانة الذي يراجع تاريخ الآلة ويتأكد من توفر القطعة المطلوبة قبل ترتيب العمل بعد الحصول على الموافقة المناسبة.

من السهل القول إن الذكاء الاصطناعي يستطيع جعل مخطط الصيانة أسرع، لكن السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كانت كل حالة عادية تحتاج أصلا إلى انتظاره. إذا كانت الظروف مفهومة جيدا وكانت الشركة قد حددت مسبقا ما ينبغي فعله عند تحققها، فمن الممكن إعادة تصميم العملية بحيث يمضي الإجراء ضمن الحدود المعتمدة، بينما تعاد الحالات غير المعتادة إلى الفريق عندما يظهر ما يستدعي حكما بشريا. بهذه الطريقة يتولى النظام ما تعرف المؤسسة بالفعل كيف تتعامل معه، ويترك انتباه أصحاب الخبرة للحالات التي يوجد فيها عدم يقين حقيقي.

لا يختفي الدور البشري هنا بقدر ما ينتقل إلى موضع مختلف وأكثر قيمة. يصبح أصحاب الخبرة أكثر انخراطا في تحديد حدود التشغيل ومراجعة أداء النظام بمرور الوقت، بدلا من قضاء جزء كبير من وقتهم في تأكيد قرارات أصبحت إجاباتها معروفة مسبقا. ولهذا أرى أن الحديث عن الاستقلالية يجب ألا يعني إخراج الإنسان من العملية، بل إعادة تحديد المكان الذي يصبح فيه تدخله ضروريا فعلا.

الهدف ليس إزالة التأخير كله بل إزالة الانتظار الذي لا يضيف قيمة

عندما نبدأ الحديث عن تسريع القرارات، من السهل الوصول إلى استنتاج أن كل تأخير يمثل مشكلة، لكن بعض القرارات تتحسن تحديدا لأن الناس يأخذون وقتهم في اختبارها والاعتراض على افتراضاتها. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يختصر كثيرا من الوقت اللازم لتحليل استثمار كبير، ومع ذلك قد ترغب الإدارة في أن يراجع أكثر من شخص الفرضيات قبل الالتزام برأس المال، لأن هذا النوع من الاحتكاك المقصود قد يحمي الشركة من قرار واثق لكنه خاطئ.

لذلك أرى أن التمييز الأكثر فائدة هو بين تأخير يحسن القرار وتأخير لا يفعل أكثر من إعادة إنتاج الطريقة التي اعتادت المؤسسة العمل بها. إذا كان الانتظار يسمح بإضافة خبرة تغير النتيجة فعلا، فقد يكون وجوده منطقيا، بينما الانتظار الناتج عن انتقال المعلومات يدويا أو مرور الحالات العادية دائما عبر المسار نفسه يستحق مراجعة أعمق. بهذه الطريقة يظل ذكاء القرار مرتبطا بالحكم الإداري ولا يتحول إلى سباق آخر نحو الأتمتة.

وهذا يفسر أيضا لماذا لا أتعامل مع الأنماط الثلاثة باعتبارها سلما للنضج. القرار التجاري الحساس قد يظل دائما قريبا من صاحبه البشري لأن النقاش نفسه يصنع قيمة، في حين أن عملية متكررة تعرف الشركة مسبقا كيفية التعامل معها يمكن أن تتحرك إلى مدى أبعد من دون انتظار الموافقة نفسها في كل مرة. القدرة الإدارية الحقيقية تكمن في معرفة أين يضيف الإنسان شيئا إلى جودة القرار، وأين تكون مشاركته مجرد بقايا من عملية صممت تحت قيود تقنية لم تعد قائمة بالدرجة نفسها.

هنا يبدأ ذكاء القرار بالاقتراب من إعادة هندسة العمليات

كلما تأملت الموضوع أكثر، أصبح الفصل بين ذكاء القرار وإعادة هندسة العمليات أصعب، لأن كثيرا من مسارات العمل بُني حول قيود كانت منطقية تماما وقت تصميمها. ظهرت بعض التقارير لأن المديرين لم يكونوا قادرين على متابعة نشاط الشركة باستمرار بأنفسهم، بينما كانت عمليات التسليم بين الفرق ضرورية لأن السياق المهم موزع بين أجزاء مختلفة من المؤسسة. وحتى بعض طبقات الموافقة نشأت لأن الأنظمة لم تكن قادرة على التمييز بشكل موثوق بين الحالة العادية والحالة التي تستحق تدخلا إداريا.

إذا تغيرت هذه القيود، فقد لا يكون تحسين كل نشاط قديم باستخدام الذكاء الاصطناعي هو أفضل ما يمكن فعله. تستطيع الشركة إصدار التقرير بسرعة أكبر ومساعدة المدير على فهمه أسرع، ثم تظل تنتظر الاجتماع الأسبوعي نفسه قبل أن يقرر أحد ما الذي ينبغي فعله. عندها نكون قد جعلنا الخطوات أسرع من دون أن نسأل ما إذا كانت العملية لا تزال تحتاج إلى الخطوات نفسها.

تقدم المراجعة الأسبوعية للائتمان مثالا واضحا. اعتاد فريقا المالية والمبيعات الاجتماع لمراجعة قائمة طويلة من الحسابات لأن المرور على الجميع كان الوسيلة العملية الوحيدة للتأكد من عدم إغفال مشكلة مهمة. أما إذا أصبح النظام قادرا على التعرف باستمرار على علاقات العملاء التي تغيرت فعليا وجمع السياق حولها قبل أن يطلبه أحد، فقد لا تكون أفضل استفادة من الذكاء الاصطناعي هي أن نجعل الاجتماع القديم أكثر ذكاء، بل أن نغير غرض الاجتماع نفسه.

عندها لا تعود الحسابات العادية تستهلك وقت الإدارة لمجرد وجودها في القائمة، بل يتركز النقاش على الحالات التي تغير فيها شيء مهم وتحتاج فعلا إلى حكم بشري. هذا التغيير يبدو بسيطا، لكنه يوضح الفرق بين استخدام الذكاء الاصطناعي لتسريع نشاط قائم وبين استخدامه لإعادة توزيع انتباه الإدارة داخل العملية نفسها.

وهنا، في رأيي، ستظهر بعض أكبر القيم التي يمكن أن يقدمها الذكاء الاصطناعي. سنبدأ تدريجيا بالتوقف عن سؤال كيفية إدخاله في كل مسار عمل قائم، وسننتقل إلى سؤال أكثر أهمية حول ما إذا كنا سنصمم المسار بالطريقة نفسها لو كانت هذه القدرات متاحة منذ البداية. أحيانا ستكون الإجابة نعم، لكن في حالات أخرى سنكتشف أن طبقات كاملة من الانتظار لم تكن موجودة إلا لأن التكنولوجيا لم تكن تستطيع سابقا فعل ما أصبح اليوم ممكنا.

قد تصبح معمارية القرار بأهمية معمارية البيانات

أمضت الشركات سنوات طويلة في تطوير فهمها لمعمارية البيانات، ولذلك أصبح من الطبيعي أن نعرف من أين تأتي المعلومات وكيف تنتقل إلى الأنظمة التحليلية قبل أن تصل إلى الأشخاص الذين يستخدمونها. وتستطيع المؤسسات الناضجة عادة شرح دور أنظمتها الرئيسية داخل عمليات العمل، لكنني لست واثقا من أن العدد نفسه من الشركات يستطيع وصف معمارية قراراته المهمة بالوضوح نفسه.

إذا بدأت علاقة مهمة مع أحد العملاء بالتدهور اليوم، فكم يستغرق الأمر عادة قبل أن يفهم شخص يملك صلاحية التحرك ما يحدث بالقدر الذي يسمح له بالتدخل؟ وإذا كانت حالة تشغيلية تقع بوضوح داخل سياسة الشركة، فلماذا تظل في انتظار الموافقة، وما القيمة التي تضيفها هذه الموافقة فعليا؟ تصبح هذه الأسئلة أكثر أهمية مع الذكاء الاصطناعي لأن الإدارة باتت تملك مساحة أكبر لإعادة تحديد موضع الذكاء داخل المسافة التي تفصل بين ظهور الإشارة والتحرك بناء عليها.

قد تستخدم شركتان منصة ERP نفسها ونموذج الذكاء الاصطناعي نفسه، ثم تحققان نتائج مختلفة تماما، لأن الأولى تستخدم التقنية أساسا لتسريع العمل الذي تقوم به حاليا، بينما تعيد الثانية تصميم الطريقة التي تنتقل بها القرارات المهمة داخل المؤسسة. تفوق الشركة الثانية لا يعني بالضرورة أن تقنيتها أفضل، فقد يعني ببساطة أنها تفهم منظومة قراراتها بوضوح أكبر وتعرف أين يؤدي تقليص زمن التأخير إلى قيمة اقتصادية حقيقية.

ولهذا أعتقد أن بعض المزايا المستدامة للذكاء الاصطناعي ستوجد في النهاية خارج النموذج نفسه. ستصبح النماذج أكثر انتشارا وستتوفر القدرات الأساسية لعدد أكبر من المنافسين، بينما يبقى السياق التشغيلي لكل شركة وفهمها الحقيقي لكيفية تحرك قراراتها أمرا أكثر خصوصية وصعوبة في التقليد. قد تصبح التقنية شائعة، لكن القدرة على إعادة تصميم العمل حولها لن تصبح متساوية بالسرعة نفسها.

قد تكون القيمة في الأيام التي أزلناها لا في الساعات التي وفرناها

قد نحكم على هذه الفرصة بأقل من قيمتها لأن الإنتاجية هي المنفعة الأسهل قياسا. إذا كان المحلل يحتاج ست ساعات لإعداد عمل معين ثم أصبح ينجزه في ساعتين، فإن الإدارة تملك أربع ساعات واضحة من الوفر ويمكن بسهولة تحويلها إلى قدرة إضافية أو تكلفة أقل، ولذلك يبدو بناء حالة الجدوى أمرا بسيطا.

زمن تأخر القرار يخلق قيمة بطريقة مختلفة وأقل وضوحا. تخيل أن فريق الحسابات اكتشف قبل الموعد المعتاد بعدة أسابيع أن علاقة مهمة مع أحد العملاء بدأت تتدهور، لأن عدة تغيرات ضعيفة كانت سابقا موزعة بين أجزاء مختلفة من الشركة أصبحت مفهومة معا في وقت أبكر. عندها يستطيع الفريق التدخل بينما لا يزال العميل مستعدا للحوار وبينما تملك الشركة خيارات حقيقية لإصلاح العلاقة، وهنا تصبح ساعات العمل التي وفرها المحلل تفصيلا صغيرا إذا كان القرار المبكر قد ساهم في حماية عميل ذي قيمة كبيرة.

وينطبق المنطق نفسه على العمليات عندما يكتشف احتمال تعطل معدة في وقت ما زالت فيه الصيانة قابلة للجدولة خلال فترة هادئة. القيمة لا تأتي أساسا من أن شخصا حلل المعلومات بسرعة أكبر، بل من الحفاظ على خيارات كانت ستختفي لو حدث التعطل أثناء الإنتاج. وفي مثل هذه الحالات يصبح الوقت جزءا من اقتصاديات القرار نفسه، لأن توقيت المعرفة يؤثر مباشرة في عدد الخيارات التي ما زالت متاحة للمؤسسة.

لهذا ينبغي أن يبقى الوقت الموفر جزءا من مقاييس نجاح الذكاء الاصطناعي من دون أن يصبح القصة كلها. في العمليات التي يغير فيها التوقيت ما تستطيع الشركة فعله، من المهم أيضا أن نسأل عن مقدار الانتظار غير الضروري الذي اختفى قبل القرار، وما إذا كان التحرك المبكر قد غير النتيجة بالفعل. قد يكون قياس ذلك أصعب من حساب عدد ساعات العمل التي تم توفيرها، لكنه قد يكون أقرب بكثير إلى المكان الذي تنشأ فيه القيمة الحقيقية.

ربما كان ذكاء الأعمال يتوقف قبل نهاية الطريق بقليل

لفترة طويلة، كانت نقطة النهاية الطبيعية لذكاء الأعمال هي صاحب القرار المطلع. بنينا أنظمة تقرب المعلومات المفيدة من الأشخاص المسؤولين عن العمل، وحين تصل لوحة المعلومات أو التحليل إليهم بصورة واضحة، يصبح ما تبقى من الرحلة من اختصاص الإدارة والعمليات. وكان هذا الحد منطقيا لأن الأنظمة التحليلية التقليدية كانت قادرة على تفسير ما يحدث بدرجات مختلفة، لكنها لم تكن تملك قدرة حقيقية على الاستمرار داخل عملية القرار نفسها.

يجعل الذكاء الاصطناعي هذا الحد أقل وضوحا، لأن النظام يمكنه البقاء مشاركا بعد ظهور المعلومة المهمة. فقد يساعد صاحب القرار على فهم الحالة بشكل أعمق، ويمكنه في حالات أخرى تجهيز قدر كبير مما تحتاجه المؤسسة قبل التحرك، بينما تسمح بعض القرارات التي تعمل ضمن حدود تشغيلية واضحة للنظام بأن يمضي أبعد من ذلك من دون انتظار التدخل اليدوي نفسه الذي كان ضروريا في السابق. لا يعني هذا أن لوحة المعلومات ستفقد أهميتها، لكنه يعني أنها قد لا تعود المحطة الأخيرة الطبيعية في رحلة المعلومات.

فالنتيجة هي ما يهم في النهاية، لأن المؤشر لا يخلق قيمة لمجرد ظهوره على الشاشة، والتنبيه لا يكون مهما إلا إذا وصل في وقت ما زالت فيه هناك فرصة للتصرف. ومن هذه الزاوية، تصبح التقارير الفورية جزءا من مسار أطول يبدأ بالمعلومة لكنه لا يكتمل إلا عندما تصل المؤسسة إلى استجابة في الوقت الذي ما زال فيه تغيير النتيجة ممكنا.

ولهذا أرى أن ذكاء القرار قد يكون أحد أكثر الامتدادات الطبيعية إثارة للاهتمام لذكاء الأعمال. الفرصة ليست في إخراج البشر من القرار، بل في إعادة تصميم المسافة بين المعلومات والتحرك بحيث يستخدم الحكم البشري في المكان الذي يغير فيه النتيجة فعلا، بينما يتوقف باقي المسار عن استهلاك الوقت لمجرد أن تلك كانت الطريقة التي اعتدنا العمل بها.

لقد أمضينا سنوات نجعل المؤسسات تعرف ما يحدث في وقت أبكر، وهذا سيظل أساسيا لأن الشركة لا تستطيع الاستجابة لما لا تعرفه. أما المرحلة التالية، فقد تكون في ما يحدث بعد المعرفة، عندما يصبح الأمر المهم قابلا للفهم بينما لا يزال لدى المؤسسة وقت كاف لتفعل شيئا يغير النتيجة. ```